الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

296

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا الخبر مستعمل كناية أيضا عن أمر الأب باستئجار ظئر للطفل بقرينة تعليق لَهُ بقوله : فَسَتُرْضِعُ . فاجتمع فيه ثلاث كنايات : كناية عن موعظة الأب ، وكناية عن موعظة الأم ، وكناية عن أمر الأب بالاسترضاع لولده . [ 7 ] [ سورة الطلاق ( 65 ) : آية 7 ] لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ( 7 ) تذييل لما سبق من أحكام الإنفاق على المعتدات والمرضعات بما يعمّ ذلك . ويعم كل إنفاق يطالب به المسلم من مفروض ومندوب ، أي الإنفاق على قدر السعة . والسّعة : هي الجدة من المال أو الرزق . والإنفاق : كفاية مئونة الحياة من طعام ولباس وغير ذلك مما يحتاج إليه . و مِنْ هنا ابتدائية لأن الإنفاق يصدر عن السعة في الاعتبار ، وليست مِنْ هذه ك ( من ) التي في قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ الأنفال : 3 ] لأن النفقة هنا ليست بعضا من السعة ، وهي هناك بعض الرزق فلذلك تكون ( من ) من قوله : فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ تبعيضية . ومعنى قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ جعل رزقه مقدورا ، أي محدودا بقدر معين وذلك كناية عن التضييق . وضده يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [ غافر : 40 ] ، يقال : قدر عليه رزقه ، إذا قتّره ، قال تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وتقدم في سورة الرعد [ 26 ] أي من كان في ضيق من المال فلينفق بما يسمح به رزقه بالنظر إلى الوفاء بالإنفاق ومراتبه في التقديم . وهذا مجمل هنا تفصيله في أدلة أخرى من الكتاب والسنة والاستنباط ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان : « خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف » . والمعروف : هو ما تعارفه الناس في معتاد تصرفاتهم ما لم تبطله الشريعة . والرزق : اسم لما ينتفع به الإنسان في حاجاته من طعام ولباس ومتاع ومنزل . سواء كان أعيانا أو أثمانا . ويطلق الرزق كثيرا على الطعام كما في قوله تعالى : وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [ آل عمران : 37 ] . ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة لاختلاف أحوال الناس